فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

صدور قوم مؤمنين ) * وبين قوله : * ( ويذهب غيظ قلوبهم ) * فهذه هي المنافع الخمسة التي ذكرها الله تعالى في هذا القتال ، وكلها ترجع إلى تسكين الدواعي الناشئة من القوة الغضبية ، وهي التشفي ودرك الثأر وإزالة الغيظ ، ولم يذكر تعالى فيها وجدان الأموال والفوز بالمطاعم والمشارب . وذلك لأن العرب قوم جبلوا على الحمية والأنفة ، فرغبهم في هذه المعاني لكنها لائقة بطباعهم ، بقي ههنا مباحث : البحث الأول : أن هذه الأوصاف مناسبة لفتح مكة ، لأن ذلك جرى في تلك الواقعة مشاكل لهذه الأحوال ، ولهذا المعنى جاز أن يقال : الآية واردة فيه . البحث الثاني : الآية دالة على المعجزة لأنه تعالى أخبر عن حصول هذه الأحوال ، وقد وقعت موافقة لهذه الأخبار فيكون ذلك إخباراً عن الغيب ، والأخبار عن الغيب معجز . البحث الثالث : هذه الآية تدل على كون الصحابة مؤمنين في علم الله تعالى إيماناً حقيقياً . لأنها تدل على أن قلوبهم كانت مملوءة من الغضب ، ومن الحمية لأجل الدين ، ومن الرغبة الشديدة في علو دين الإسلام ، وهذه الأحوال لا تحصل إلا في قلوب المؤمنين . واعلم أن وصف الله لهم بذلك لا ينفي كونهم موصوفين بالرحمة والرأفة ، فإنه تعالى قال في صفتهم * ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) * ( المائدة : 54 ) وقال أيضاً : * ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) * ( الفتح : 290 ) . ثم قال : * ( ويتوب الله على من يشاء ) * قال الفراء والزجاج : هذا مذكور على سبيل الاستئناف ولا يمكن أن يكون جواباً لقوله : * ( قاتلوهم ) * لأن قوله : * ( ويتوب الله على من يشاء ) * لا يمكن جعله جزاء لمقاتلتهم مع الكفار . قالوا ونظيره : * ( فإن يشأ الله يختم على قلبك ) * ( الشورى : 24 ) وتم الكلام ههنا ، ثم استأنف فقال : * ( ويمح الله الباطل ) * ( الشورى : 24 ) ومن الناس من قال يمكن جعل هذه التوبة جزاء لتلك المقاتلة ، وبيانه من وجوه : الأول : أنه تعالى لما أمرهم بالمقاتلة ، فربما شق ذلك على بعضهم على ما ذهب إليه الأصم ، فإذا أقدموا على المقاتلة صار ذلك العمل جارياً مجرى التوبة عن تلك الكراهية . الثاني : أن حصول النصرة والظفر إنعام عظيم ، والعبد إذا شاهد توالي نعم الله لم يبعد أن يصير ذلك داعياً له إلى التوبة من جميع الذنوب ، الثالث : أنه إذا حصل النصر والظفر والفتح وكثرت الأموال والنعم وكانت لذاته تطلب بالطريق الحرام ، فإن عند حصول المال والجاه يمكن تحصيلها بطريق حلال ، فيصير كثرة المال والجاه داعياً إلى التوبة من هذه الوجوه . الرابع : قال بعضهم إن النفس شديدة الميل إلى الدنيا ولذاتها ، فإذا انفتحت أبواب الدنيا على الإنسان وأراد الله به خير عرف أن لذاتها حقيرة يسيرة ، فحينئذ تصير الدنيا حقيرة في عينه ، فيصير ذلك سبباً لانقباض النفس عن الدنيا ، وهذا هو أحد الوجوه المذكورة في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام : * ( هب لي ملكاً لا ينبغي